منتدى ثانوية العلا الإعدادية

منتدى تعليمي تربوي تثقيفي وترفيهي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التفسير المطول -سورة أل عمران

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
chaimaa semmaa

avatar

عدد المساهمات : 154
تاريخ التسجيل : 21/03/2013
العمر : 18

مُساهمةموضوع: التفسير المطول -سورة أل عمران   الخميس مارس 28, 2013 7:29 am

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

فضل سورة آل عمران :

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة آل عمران ، وقد وَرد عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدهم قال : << كان رجل يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران عدّ فينا ذا شأن >> .

[ابن حبان من قول أنس (744) ، ومسند الطيالسي (2020)]
والبقرة وآل عمران الزهراوان ، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ : الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا ، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ))
قَالَ مُعَاوِيَةُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ .

[ مسلم ، وأحمد ]

معاني الحروف المقطّعة :
في هذه السورة مقدمةٌ دقيقةٌ جداً ، الآية الأولى :

﴿ ألَم ﴾

1-المعنى الأول : الحروف المقطّعة من إعجاز القرآن :

سبق أن شرحت هذه الحروف مراتٍ عديدة ، ولكن للتذكير ، من هذه الحروف نُظِمَ القرآن الكريم ، والقرآن الكريم تحدَّى الله الأمة العربية به ..

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) ﴾

( سورة الإسراء )
من حروفٍ معروفةٍ عند كل مَن ينطق العربية ، ولكن هذا النَظم نظمٌ مُعْجز ؛ هناك إعجازٌ في نظمه ، هناك إعجازٌ في بلاغته ، هناك إعجازٌ في حقائقه العلميّة ، فقد ذكرت اليوم في خطبة الجمعة أن الله عزَّ وجل حينما قال :

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ(2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3) ﴾

( سورة الطارق )
علماء التفسير فيما سبق فهموا هذه الآية أن هذا النجم ضوءُه شديد يثقب الفضاء الذي بعده ، نجمٌ ثاقب ، أي ضوءٌ كَشَّاف ، ضوءٌ مديد ، وأحجموا جميعاً عن معنى ..

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1) ﴾
ما معنى كلمة ( والطارق ) ؟ وذكرت ـ من باب الإعجاز ـ أن القرآن الكريم ذكر حقائق ، والنبي عليه الصلاة والسلام أحجم عن تفسيرها لحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، لو أنه فسَّرها تفسيراً بحسب البيئة التي عاشها لأنكرنا عليه ، ولو فسَّرها تفسيراً بحسب رؤيته ؛ لأن الله أراه ملكوت السماوات والأرض لأنكر عليه أصحابه ، ولكن الحكمة التي اتبعها أنه تركها بلا تفسير ، فكلما تقدَّم العلم كشف جانباً من عظمة هذه الآيات .
إذاً : كتابنا الكريم معجزةٌ مستمرَّة ، بينما معجزات الأنبياء السابقين كعود الثقاب تتألَّق مرةً واحدة ثم تنطفئ ، وتبقى خبراً يصدقها مَن يصدقها ، ويكذّبها مَن يكذبها ، بينما القرآن الكريم معجزةٌ مستمرَّة ، فكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم .
النجوم حينما تهرم ، وتنكمش ، وتصبح حركتها إلى الداخل ، وتتحد الإلكترونات مع النيترونات والبروتونات التي في نواة الذرة ، وتشكل وحدةً مندمجة تلغي الفراغات البينيَّة ، فيمكن أن تصبح الأرض بحجم البيضة بالوزن نفسه ، فلو وضعت كرةً من الحديد فوق سائلٍ هُلامي لثقبت ، فقال علماء الفلك : لو أن هذا النجم الثاقب ، أي النجم المُنكمش الذي أصبح حجمه قليلاً ووزنه كبيراً وضع على الأرض لخرج من طرفها الآخر من شدة كثافته ، إن هذا النجم فيه أعلى كثافة على الإطلاق ، يثقب كل شيء .
وأما ( والطارق ) فهناك محطات تلسكوبات لاسلكية تكتشف الموجات التي تصدرها هذه النجوم ، إنها وَمضَات تواتُرها يتوافق مع عمرها ، فهذه الحقائق كشفت حديثاً ، تأتي مطابقةً تماماً لما في القرآن الكريم ، هذا القرآن بنظمه المعجز ..

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1) ﴾
هذا النجم يرسل هذه الومضات بشكلٍ نوبي ومتواتر ، وكلَّما ارتفع التواتر كان العمر قليلاً ، وكلما ضعف التواتر كان العمر طويلاً ، ثم إن هذا النجم له كثافة تحيِّر العقول ، يمكن إذا دخلت الأرض في ثقبٍ أسود أن يغدو حجمها كحجم البيضة بالوزن نفسه ، تصور خمس قارات لا تساوي خمس الأرض ، خمس سطحها ، والأربعة أخماس بحار ، وأعلى ارتفاع على سطح البحر ، وأخفض نقطة في البحر لا تساوي إلا سنتيمترًا نحو الأعلى ، وسنتيمترًا نحو الأسفل في كرةٍ قطرها متر ، إذاً فما وزن الأرض في باطنها ؟ كل هذا الوزن يضغط في كرةٍ لا تزيد على حجم البيضة ، فهذا النجم الثاقب إذا وضع فوق أيَّة كتلةٍ ثقبها ، وانتقل إلى الطرف الآخر ، أي أعلى وزن نوعي في الكون ، وفضلاً عن ذلك فهو يصدر ومضاتٍ متواترة .
لعل هذه الحقائق الفلكية تبيِّن عظمة هذا القرآن الكريم ، الإعجاز العلمي لا ينتهي ، لو طرقنا هذا الباب لا ينتهي هذا الباب ولا في ساعاتٍ طويلة ، وأية كلمةٍ في القرآن تعني إعجازاً علمياً ، هناك إعجاز بلاغي ، هناك إعجاز في النظم ، هناك إعجاز تاريخي ، إخباري ، فربنا عزَّ وجل من حروفٍ نعرفها ، من حروفٍ نألفها ، من حروفٍ ننطق بها ، من مثل هذه الحروف ، هذا مما فسَّره بعض المفسِّرين .

2-المعنى الثاني : هذه الحروف أوائل لأسماء الله الحسنى :
هناك معنىً آخر هو : أن هذه الحروف أوائل لأسماء الله الحسنى .

3-المعنى الثالث : هذه الحروف أوائل لأسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وهناك مَن فسرها أنها أوائل لأسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

4-المعنى الرابع : هذه الحروف الله أعلم بمرادها :

وهناك مَن قال : الله أعلم بمرادها ، والقرآن حمَّال أوجه ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

نعم للتوحيد ، لا لإيمانِ إبليس !!!

النقطة الدقيقة أيها الإخوة أن إيمان الإنسان بأن الله خالق الأكوان هذا الإيمان لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، ألم يقل إبليس :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص : من الآية 82 )
ألم يؤمن به رباً ؟ ألم يؤمن به عزيزاً ؟ ألم يقل : خلقتني ؟ ألم يؤمن به خالقاً ؟ ألم يقل :

﴿ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14) ﴾

( سورة الأعراف )
ألم يؤمن بالآخرة ؟ ولكن ما هو الإيمان المُنجي ؟ هو الإيمان التوحيدي ، هو التوحيد ، و" ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد " ، التوحيد ألا ترى مع الله أحدا ، قد تقول : إن الله خلق الأكوان ، ثم ترى معه آلاف الشركاء ، ومعظم الناس اليوم يرون هذه القوى العظمى ، قوى صانعة القرار ، تفعل ما تريد ، تقهر الشعوب ، تدمر المدن ، تستلب الأراضي ، تُعَسْكِر على منابع النفط ، قوى كبيرة جداً ، ولكن الإيمان التوحيدي ألا ترى مع الله أحداً ..

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح : من الآية 10 )

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال : من آية 17)

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 17 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾

( سورة الكهف )

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : من الآية 84 )

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 2 )
متى يستقيم الإنسان ؟ إذا آمن بأنه لا إله إلا الله ؛ ولا معطي ، ولا مانع ، ولا معزَّ ، ولا مذلَّ ، ولا رافع ، ولا خافض إلا الله ، متى تستقيم على أمره ؟ إن رأيته وحده فعَّالاً ، إن رأيته وحده ناصراً ، إن رأيته وحده مُنَجِّياً فقط ، لكن قد تؤمن أن الله خلق الأكوان ، وأنت تتوهم أن معه آلاف الشركاء ، هذا هو الشرك ..

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) ﴾

( سورة يوسف )

(( أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله ))

( من شرح الجامع الصغير )
فالذي ينجينا ليس أن نؤمن أن الله خلق الأكوان ، هذا إيمانٌ آمن به إبليس ، ولكن الذي ينجينا ويحملنا على طاعته ، ويجعلنا نتوجه إليه وحده ، ونرجوه وحده ، ونخافه وحده ، ونعقد عليه الآمال وحده ، ونستقيم على أمره وحده ، الذي يعيننا على ألا نخاف في الله لومة لائم ، الذي يعيننا على ألا ننافق ، أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، المؤمن ليس مقهوراً ، وأيّ إنسانٍ متلبسٍ بالشرك الخفي مقهورٌ ، ويكفيك أن ترى عدواً لك متمكناً منك ، وسوف يدمرك ، هذه تكفي ، هذه وحده تسبب أعظمَ الأمراض ، والمؤمن ليس مقهوراً ، لأنه يرى أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله لا يعقل أن يأمرك أن تعبده وقد أوكل أمرك إلى غيره ..

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : من الآية 123 )
لذلك قالوا : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ، بل إن دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء حول التوحيد ..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

( سورة الأنبياء )
لا إله إلا أنا ، ما من معصيةٍ تقترف إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من تقصيرٍ يكون إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من دخلٍ مشبوه يأخذه الإنسان إلا بسبب ضعف التوحيد ، وما من نفاقٍ يكون من الإنسان إلا بسب ضعف التوحيد ، وضعف التوحيد وراء كل مشكلاتنا ، بل إن كل مشكلاتنا ما هي إلا أعراضٌ لمرضٍ واحد إنما هو ضعف التوحيد ، لذلك :

﴿ اللهُ ﴾

اللهُ لاَ إلَهَ إِلاَّ هُو

1 ـ ( اللهُ ) علَمٌ على الذات العلية :
علمٌ على الذات ، أسماء الله كلها حُسنى ، وصفاته كلها فضلى جُمِعَت في كلمة ( الله ) فإذا قلت : الله فهو علمٌ على الذات ، إذا قلت : الله ، فهو واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، إذا قلت : الله ، أي هو الإله الذي لا إله إلا هو ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

2 ـ اللهُ هو المتصرف :

الآن دقق ؛ المتصرِّف هو الله ، والله عزَّ وجل كامل ، القابض ، الباسط ، المعطي ، المانع ، المعز ، المذل ، المانح ، كل أفعاله صادرةٌ عن كماله ، لو أن الإنسان عَقَلَ معنى ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

الشرك أساس الأمراض النفسية :

دقق عندما تكون في عمل ، ولك مدير عام ، مدير مؤسسة ، مدير مستشفى ، مدير ثانوية .. إلخ ، وينتقل ، تسأل سؤالين دقيقين : من الذي سيأتي بعده ؟ يقال لك : فلان ، تقول : كيف هو ؟ يهمُّك مَن هو أولاً ؟ وكيف هو ثانياً ؟ نحن ماذا نقول في أوراد الفجر ؟ " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له المُلك ، وله الحمد ، يحيي ، ويميت ، وهو على كل شيءٍ قدير " ، لو أن المسلم عقل هذه الكلمات عقلاً ، واستوعبها استيعاباً ، وأدركها إدراكاً ، لكان في سعادةٍ ما بعدها سعادة ، أساساً تِسعون في المئة من الأمراض الوبيلة التي يعاني منها الإنسان ـ ولاسيما في هذا العصر ـ مردُّها إلى الشدة النفسية ، والشدة النفسية وراءها الشرك ، والدليل أن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215) ﴾

( سورة الشعراء )
أحد أكبر مصادر العذاب النفسي ، والشقاء النفسي الضَجَر ، القلق ، الخوف المدمِّر ، اليأس القاتل ، الانهيار ، الخنوع ، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك ، وقد ورد عن الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه : << الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على جور ، أو أن تبغض على عدل >> .
أي شخص تنتفع منه ، له انحرافٌ طفيف ، تغض البصر عن انحرافه لأنك منتفعٌ منه ، هذا نوعٌ من أنواع الشرك ، وإنسان وجَّه لك النصيحة ، وهو محق ، وأنت مخطئ ، لكن أخذتك العزة بالإثم فحطَّمته ، هذا نوعٌ من أنواع الشرك الخفي ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

(( أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله ))

( من شرح الجامع الصغير )
أن يعبد المسلمون صنماً هذا أمرٌ انتهى ، هذه مرحلةٌ ولَّت ، الشيء المُعْلَن في العالم الإسلامي أنه لا إله إلا الله ، أما الشيء الواقع أن هناك شركا خفيًّا ، وأحد أنواع هذا الشرك أن تتخذ هواك إلهاً تعبده من دون الله ، فكل شيءٍ يَدْعَم هواك ترضى به ولو كان باطلاً ، وكل شيءٍ يحول بينك وبين هواك ترفضه ولو كان حقاً ، فهذا شرك ، وهناك من يعبد هواه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ))

[ البخاري ، الترمذي ]
هناك مَن يبيع دينه بدريهمات ، هناك مَن يعبد المال ، هناك مَن يعبد بطنه .. تعس عبد البطن .
هناك مَن يعبد فرجه ... زير النساء .. تعس عبد الفرج .
هناك مَن يعبد مظهره ، لا يصلي العصر ، لأنه يرتدي بذلة جديدة لا يحب أن تتأثَّر بالصلاة ـ مثلاً ... تعس عبد الخميصة .
مَن الذي سَعِد ؟ هو عبد الله ، وأنت حينما تعبد الله تكون في أعلى درجة وصلها إنسان ..

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(Coolفَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10)مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11) ﴾

( سورة النجم )
كلَّما خضعت لله رفعك الله ، كلما خضعت له أعزَّك الله ، كلما التزمت بأمره وفَّقك الله ، كلما أحببت أولياءه أحبَّك الله .
إخواننا الكرام ... قضية أن تؤمن أن الله خالق الأكوان قضيةٌ مفروغٌ منها ، لئن سألت عُبَّاد الأصنام : مَن خلق السماوات والأرض ؟ ليقولن الله ، ولكنهم يقولون :

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾
الأصنام .

﴿ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

( سورة الزمر : من الآية 3 )

الإنسان ضعيف لابد له من جهة قوية يلجأ إليها :

إذاً : أن تؤمن أن الله خلق الأكوان هذا شيء لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، بل إن إبليس آمن هذا الإيمان ، العبرة أن تؤمن أنه لا إله إلا الله ، ليس في الكون جهةٌ تستحق أن تعبدها إلا الله ، فإما أن تكون عبداً لله ، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم ، لابدَّ من أن تكون عبداً لجهة ، لماذا ؟ لأن الله جبلك على أن تكون ضعيفا ..

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾

( سورة النساء )
هؤلاء الذين يعبدون النار في شرق آسيا ، لماذا يعبدون النار ؟ لأنهم يرونها آلة تحميهم من المصائب ، الذين عبدوا البقر ، والذين عبدوا الشجر ، والذين عبدوا الحجر ، والذين عبدوا النار ، والذين عبدوا الأقوياء ؛ دون أن يشعر الإنسان يعبد القوي ، يستسلم لأمره ، ولو كان في معصية ، يرجو ما عنده ولو كان على حساب دينه ، هذا أيضاً ضعيف ، لأنك ضعيف ..

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) ﴾
هذا الضعف أيها الإخوة ، مركبٌ في جبَّلتك لا دخل لك به ، ليس نقيصةً فيك ، هكذا شاء الله أن تكون ضعيفاً ، لأن الله لو خلقك قوياً ـ دقق ـ لاستغنيت بقوتك عن الله عزَّ وجل فشقيت باستغنائك ، خلقك ضعيفاً لتفتقر في ضعفك ، فتسعد بافتقارك ، خلقك ضعيفاً لتفتقر في ضعفك فتسعد بافتقارك ، لو أن الله خلقك قوياً لاستغنيت بقوتك ، فشقيت باستغنائك ، هذا الضعف يحتاج إلى جهة قوية تلجأ إليها ، والمسلم يلجأ إلى خالق الأكوان ، فالتجاؤه صحيح ، وغير المسلم يلجأ لبقرة ، يلجأ لحجرة ، يلجأ لشمس ، يلجأ لقمر ، يلجأ لمظاهر الطبيعة ، فحتى الذين عبدوا الأصنام ، وعبدوا مظاهر الطبيعة ، هم يعبرون بهذه العبادة عن ضعفهم ..

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) ﴾
لابدَّ له من جهةٍ قويةٍ يركن إليها ، ويحتمي بها ، ويلجأ إليها ، ويعتقد أنها تحميه ، فالمسلم الذي عبد الله وحده ، التجاءه صحيح ، تمكنه صحيح ، أما غير المسلم الذي يعتقد بغير الله فهو كالذي يرى سراباً يظنه ماءً ..

﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ﴾

( سورة النور : من الآية 39)
أيها الإخوة ... وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

( متفق عليه )
وفرقٌ كبير بين الإحصاء والعد ، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا(94) ﴾

( سورة مريم )
أنا قد أقول : في صفي خمسون طالباً ، هذا عَد ، أما الإحصاء فأن تعلم حقيقة كل طالب ؛ مستواه العلمي ، والثقافي ، والأخلاقي ، والديني ، وضعه العائلي ، كل ما يتعلَّق في شؤون الطالب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ... مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

اللَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّوم

من أجل إن قرأت هذه الآية :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
واللهِ هذه الآية وحدها لو عقلناها لملأت قلوبنا أمناً وطمأنينة ، ملأت قلوبنا إشراقاً ، لجعلتنا نتحرَّك حركةً عجيبة ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

1 ـ الله هو المتصرف الرحيم الكامل الحكيم :

الفاعل ، المتصرف ، المعطي ، المانع ، الشافي ، المُمْرض ، الموفق ، الذي لا يوفق ، المُحسن ، المنعم ، المعز ، المذل هو الله وحده .
( الله ) ما أسماؤه ؟ أن تتعرف إلى أسمائه الحسنى جزءٌ من عقيدتك ، جزءٌ من إيمانك ، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى وقال تعالى :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43) ﴾

( سورة النحل )

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان )
لابدَّ أن تتعرف إلى الله ، حتى إذا قرأت هذه الآية :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
مثلاً : لو قلنا لك : هذه الأم ؛ الكاملة ، الرحيمة ، العطوفة بيدها أمر البيت ، ما معناها فيها استبداد ، ليس المعنى أن هناك خرقًا أو حُمقًا ، ما دامت كاملة ، ورحيمة ، ومتعلمة ، وتتحلى بصفات عالية جداً ، لو قلت بعدها : إن أمر البيت بكل تفاصيله بيدها ، هذا لا يزعجك ، لأنها كاملة ، فأنت حينما تعلم من هو الله ؟ مَن هو صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ؟ ما معنى الله رحيم ؟
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا ، وَأَرْضَعَتْهُ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لَا وَاللَّهِ ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))

[البخاري ومسلم]

2 ـ النبيُ عليه الصلاة والسلام أرحمُ الخَلق بالخَلقِ :

لعل أرحم مخلوقٍ على الإطلاق بالخَلق هو رسول الله ، والدليل أن في الطائف حينما بالغ أهل الطائف في الإساءة إليه ، وبالغوا في تكذيبه ، والسخرية منه ، وبالغوا في الإساءة المادية إليه ، مكَّنه الله منهم ، أرسل له مَلَك الجبال قال : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، أنا لا أشك أن واحداً من المؤمنين لو أن عدواً له كاد له كيداً شديداً ، وتمكن منه ، لقضى عليه ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

(( لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ))

( من زيادة الجامع الصغير )
لم يتخلَّ عن قومه ، واعتذر عنهم ، ودعا لهم ، وتفاءل أن تأتيهم ذرية طيبة ، إذاً : أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله ، ومع ذلك قال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159 )
يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك ، رحمة تنكير ، تصغير ، ماذا قال أيضاً ؟

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف : من الآية 58 )
الرحمة كلها عند الله عزَّ وجل ، فمن أجل أن تعلم مَن هو الله ؟ أتلقي هذه بولدها إلى النار ؟ قالوا : لا . قال :

(( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))
تروي الكتب أن سيدنا موسى مرَّ بامرأةٍ تخبز خبزاً ، ووضعت على التنور ابنها الصغير ، فكلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها ، وشمَّته ، وقبَّلته ، تعجَّب هذا النبي الكريم من هذه الرحمة ، وقال : يا رب ما هذه الرحمة ؟! قال : يا موسى هذه رحمتي أودعتها في قلب هذه الأم ، وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلبها بكى فألقته في التنور ، هذه قصة رمزيَّة معبِّرة .
إذا وجدت أبًا يقبِّل ابنه ، إن وجدت أماً تجوع ليشبع ابنها ، تعرى لتكسو ابنها ، تُقَتِّر على نفسها ليتعلم ابنها ، هذه رحمة الله في قلب الأم ، لذلك إذا أحبك الله ألقى محبته في قلوب العباد إليك ، ومن أجمل ما قرأت : " أنك إذا أطعت الله فيما بينك وبينه ألقى حبك في قلوب الخلق ، وإذا عصيته فيما بينك وبينه ـ دون أن تشعر وبلا سبب ـ ألقى بغضك في قلوب الخلق " ، و لذلك قالوا : " ما أخلص عبدٌ لله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة ".

3 ـ هل عرفتَ اللهَ ؟

فأنا وقفتي (الله) هل عرفته ؟ هل جلست الساعات الطويلة من أجل أن تعرفه ؟ هل طلبت العلم الشرعي ؟ هل فكَّرت في خلقه ؟ هل فكرت في آياته التكوينية ؟ هل فكرت في آياته القرآنية ؟ هل فكرت في آياته الكونية من أجل أن تعرفه ، الله ، أنت إذا عرفت مَن هو الله ، ثم قلت : لا إله إلا هو ، لا ترى الأقوياء ، انتهوا الأقوياء عندك ، الأقوياء تراهم ضعفاء ، الأقوياء تراهم عِصِيَّاً بيد الله يؤدِّب بهم عباده .
سُئل تيمورلنك : مَن أنت ؟ قال : " أنا غضب الرب " ، أي إذا غضب الله يُسَلِّط على الناس شخصاً قوياً يخيفهم ، إذاً لا ترى مع الله أحداً ، العبرة ألا تقهر من الداخل ، المؤمن ليس مقهوراً لأنه يرى أنه لا إله إلا الله ، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، الكامل ، والذات الكاملة ، وعلَم على الذات واجب الوجود ، والرحمن الرحيم ، والحنَّان المنان ، وغفار الذنوب ، وساتر العيوب ، وفوق ذلك الأمر بيده .

4 ـ أمر الكون بيد الله وحده :

حينما توقن أن أمر الكون بيده ..

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 59 )
دقق ، هل هناك حدث في مستوى الأرض أقل من سقوط ورقة ؟! أنت تجلس في بستان ، في أيام الخريف سقطت ورقة ، هل هناك حدث أقلّ من هذا الحدث ؟

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾
فالأمر بيد الله ..

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47) ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾

( سورة إبراهيم )
أيها الإخوة ... هذه المعاني تريح الإنسان ، الأمر بيد الله ..

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : من الآية 123 )
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده ، هذا هو الإيمان .
لذلك ، عودٌ على بدء ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، التوحيد نهاية العِلم ، التوحيد ألا ترى مع الله أحدا أبداً ، لا إله إلا الله ، هذه الصحة النفسية ، و الله الذي لا إله إلا هو لو أنك وحَّدت الله حق التوحيد لاستراح جسمك من الأمراض ، الأمراض كل أسبابها الشدة النفسية ( الضغط ) ، وهو شيء فوق طاقة الإنسان ، خوف ، على قلق ، على همٍّ ، على حزن ، على قلة أمطار ، على غلاء أسعار ، أما إذا رأيت أن الله يؤدِّبنا وأنت معه اختلف الوضع ، الذي أتمناه عليكم وعلى نفسي أن نُعَمِّق توحيدنا ، ألا نتوهم بأن الإيمان بالذي خلق الأكوان هو الإيمان المنجي ، هذا إيمان لا ينجي ، الإيمان أن الله بيده كل شيء ..

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : من الآية 84 )

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 2 )

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾

( سورة الرعد : من الآية 11)
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أحمد ]
الأمر بيد الله عزَّ وجل ، والله هذا الشعور ، وهذا اليقين يملأ القلب طمأنينةً ، ولعل هذا من معنى قوله تعالى :

﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28) ﴾

( سورة الرعد )

احذروا مرض العصر ( القلق ) :

فهناك قلق من المستقبل ، يكاد يكون المرض الأول في العالم القلق ، وديلكارنجي ألَّف كتاباً عنوانه ( دع القلق ، وابدأ الحياة ) ، بيعت منه خمسة ملايين نسخة ، لأن الذين يقرؤونه قلقون جداً ، بل إن مرض الكآبة هو مرض العصر ، وقد سمعت عن الإحصاء أن مئة وخمسة وخمسون بالمئة من الشعب الغربي يعالجون عند أطباء نفسيين ، مئة وخمسة وخمسون بالمئة ؟! أي مئة بالمئة وخمسة وخمسون مرتين يعالجون في السنة عند أطباء نفسيين بسبب القلق ، أما المؤمن فخلاف ذلك .
أحد الأساتذة في الجامعة حدثنا أنه ذهب إلى مؤتمر الأمراض النفسية في ألمانيا فقال : بكل بساطة أخبركم أن في بلادنا هذه الأمراض لا تشكِّل وباءً ، ولا خطورةً لأننا مؤمنون بالله .
لو دخلت إلى بيت إنسانٍ ما فيه شيء ، لا رصيد عنده ، ولا عنده عملات صعبة ، ولا عنده شيء ، ويقول لك : الحمد لله ، الله عمّنا بفضله ، ما هذا الشعور ؟ قد تجد شخصا معه ملايين ممليَنة ترتعد فرائصه بنزول سعر الدولار مثلاً ، وكم من جلطةٍ أصابت إنسانا معه ملايين مملينة فقط لفرق السعر ، وتُجَّار السكر غير المؤمنين بالله كلما انخفضت أسعار السكر ارتفع عندهم السكر ، وتجد الشخص يذهب ضحية شيءٍ أرضي ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

[ ابن ماجه ]
يذهب رخيصا ، أي لسبب تافه قد انتهت حياته .
فيا أيها الإخوة ... أتمنى على كل واحد منكم أن يعكف على معرفة أسماء الله الحسنى ، حتى إذا قرأ هذه الآية :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

الشرك طريق مسدود:

مصدر حياة الكون وقيامه ، ترتاح نفسك ، هذا القرآن شفاء ، لا أبالغ أن معظم الأمراض النفسية ، ومعظم الإحباط ، والتشاؤم ، واليأس ، والقهر ، والذل ، والخنوع ، والانحراف بسبب الشرك ، والشرك ذنبٌ لا يغفر ، أي أنه يمشي في طريق مغلق مسدود .
مرة ذكرت مثلاً : أنك يمكن أن تركب قطارا باتجاه حلب ، ولك دفعة بمليون ، والوقت مناسب ، ترتكب أخطاء كثيرة ، تركب في مكان مع شباب صغار مزعجين ، تركب بعكس اتجاه القطار ، تركب في الدرجة الثانية ، وأنت تذكرتك في الدرجة الأولى ـ ممكن ـ تتلوى من الجوع ، وفي القطار مطعم لم تدرِ به ، هذه كلها أغلاط ، لكن الطريق يمشي باتجاه حلب ، وسوف تأخذ هذا المبلغ الكبير ، أما هناك غلط لا يغتفر ؛ هو أن تركب قطار عمَّان ، وقد يكون القطار فخما جداً ، ولكن هذا خطأ لا يغفر ، لا شيء هناك ، لن تقبض شيئاً ، المشكلة أن الله ..

﴿ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك ﴾

( سورة النساء : من آية 48 )
المشرك يمشي بطريق مسدود ، يتجه لإنسان أضعف منه ..
ـ قال له : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنع عنك ؟
ـ قال : بنصف ملكي .
ـ قال له : فإذا منع إخراجه ؟
ـ قال : بنصف ملكي الآخر .
فكل هذا المُلك لا يعدل كأس ماء ، فأنت إذا اتجهت للفقير رأيت من ألوان الفقر ما لا يوصف ، أما إذا اتجهت إلى الغني ..

(( يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[مسلم ، الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]
وفي رواية الترمذي :

(( وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ ، اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ، ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ ، عَطَائِي كَلَامٌ ، وَعَذَابِي كَلَامٌ ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ))
مشكلتك مع الله .
من أوجز الأحاديث الشريفة :

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان من قول علي]
لا تخف من قوي ، القوي بيد الله ، أنت أمام وحوش مخيفة ، ولكن كلها مربوطة بأزِمَّة من جهة قوية تملكها ، وهي مسيطرة عليها ، أنت ممَّن يجب أن تخاف من الوحوش أم ممَّن يملكها ؟ من يملكها ، لو أرخى الحبل لوصلت إليك ، لو شدَّ الحبل لأبعدها عنك ، فالآية الكريمة :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

( سورة هود )
فكل هؤلاء الأقوياء هم بيد الله ، أمرهم بيد الله إذا سمح لهم يصلوا إليك ..

﴿ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 80)
فلا تخف إلا من ذنبك ، لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ، كلامٌ جامعٌ مانع .
فيا أيها الإخوة ...

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) ﴾

( سورة الحديد )
حينما تؤمن أن الأمر بيد الله ، وهو يعلم كل شيء ، لا تخفى عليه خافية ، استقم على أمره وانظر ، في أي مكان ، ففي أي مكان في العالم ..

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل : من آية 97)
وفي أي مكان في العالم ..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) ﴾

( سورة طه )
فيا أيها الإخوة ... هذه الآية :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

خاتمة :

الأمر بيد هذه الذات الكاملة ، تعرف إليها من أجل أن تطمئن ، الحالة النفسية مهمة جداً ، شعورك أنك مقهور ومظلوم مشكلة ، أما شعورك أنك بيد الرحمن الرحيم ، العليم الحكيم ، أقوى الأقوياء ، أغنى الأغنياء ، ما سلَّمك لأحد أبداً ..

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور : من الآية 48 )
قال العلماء : هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن المؤمن له منها نصيب ، بحسب إيمانه وإخلاصه .
فلابدَّ أن تعكفوا على أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هذه الأسماء درَّستها بجامع العثمان في مئة شريط ، تعرفوا على الأسماء الحسنى ، أقسم لي أناسٌ كثيرون أنهم بعد سماعهم هذه الأشرطة تعرفوا إلى الله برؤية جديدة ، ودون أن يشعروا صَحَّ سلوكهم ، واستقام أمرهم ، فيجب أن تعرفوا مَن هو الله ، لأن الأمر كله بيده ، ويجب ألا ترى مع الله أحداً ، وأن ترى مع الله أحدا هذا عين الشرك .
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التفسير المطول -سورة أل عمران
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ثانوية العلا الإعدادية :: منتدى العلا الإسلامي :: القرآن الكريم-
انتقل الى: